المقريزي
202
المقفى الكبير
مدينة سام بن نوح ، وأنّه سيعمر بعد الدهور على يدي ملك جليل مظفّر منصور له أصحاب كأنّ وجوههم وجوه طير الفلاة ، ينزلها وينزلها ولده . فقال : أنا واللّه أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي . ولقد أمر الرشيد يوما أن يخرج ولده إلى الصيد ، فخرجت مع محمد والمأمون وأكابر ولد الرشيد ، فاصطاد كلّ واحد منّا صيدا ، واصطدت بومة . ثمّ انصرفنا وعرضنا صيدنا عليه ، فجعل من كان معنا من الخدم يقول : هذا صيد فلان ، وهذا صيد فلان - حتى عرض عليه صيدي ، فلمّا رأى البومة ، وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها لئلّا يتطيّر بها أو ينالني منه غلظة ، فقال : من صاد هذه ؟ فقالوا : أبو إسحاق ، فاستبشر وضحك وأظهر السرور ، ثمّ قال : أما إنّه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه والغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبني مدينة قديمة وينزلها بهؤلاء القوم ، ثمّ ينزلها ولده بعده - وما سرّ الرشيد [ بشيء من الصيد كما سرّ بصيدي لتلك البومة ] ، ثمّ عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع . فأحضر محمد بن عبد الملك الزيّات ، وأحمد ابن أبي دؤاد ، وعمر بن الفرج ، وأحمد بن خالد المعروف بابن الوزير ، وقال لهم : اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأرض ، وادفعوا إليهم ثمنها أربعة آلاف دينار . ففعلوا ذلك ، ثمّ أحضر المهندسين واختار مواضع القصور . ثمّ خطّ القطائع للقوّاد والكتّاب والناس ، وخطّ المسجد الجامع ، واختطّ الأسواق ، وجعل بناءها على هيئة بناء بغداد ، وجعل فيها الكرخ والدور كما في بغداد . وكان اسم سرّ من رأى في الكتب المتقدّمة « زوراء بني العبّاس » . ويصدّق ذلك أنّ قبل مساجدها كلّها مورّبة « 1 » ، فيها ازورار ، ليس بها قبلة مستوية . ويقال : إنّه أنفق على جامعها فوق الخمسمائة ألف درهم ، وقيل : إنّما سمّيت « سرّ من رأى » لأنّه لمّا انتقل بجملته وعسكره إليها سرّ كلّ منهم برؤيتها ، فقيل فيها : سرّ من رأى - ولزمها هذا الاسم . والمسمّى بالجملة عند النحويّين يحكى على صيغته الأصليّة من غير تحريف فيها ولا تغيير لها . وقد غيّرتها العامّة فقالوا : سامرّا . وقد سمّيت أيضا بالعسكر لنزول العسكر بها . وقيل : كان السبب في بنائها أنّ العامّة شكوا من الجند والنزول عليهم في المساكن والتعرّض [ 182 ب ] بهم ، فقال له بعض صلحاء المحدّثين : يا أمير المؤمنين ، إنّي لا آمن عليك أن تقاتلك العامّة . فقال : وبم تقاتلني العامّة ؟ ومن يجمعها على ذلك ، وأنا في هذا العسكر العظيم ؟ فقال : يقاتلون بقيام الليل ورفع الأيدي إلى اللّه تعالى في المساجد . فركب في الحال وتخيّر موضع سرّ من رأى على شاطئ دجلة فبنيت في أسرع وقت - على كبرها - وارتحل إليها . وقال لذلك المحدّث : قد تركنا قتال العامّة ، فكيف هم اليوم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، هم بأيد مبسوطة إلى اللّه تعالى بالدعاء لك ، وبنيّات خالصة ، وطاعة صافية ، رغبة إلى اللّه تعالى في دوام دولتك . وقيل : كان سبب بنائه ذلك أنّه قال : إنّي ههنا أتخوّف الخرّميّة - يعني أصحاب بابك الخرّميّ - أن يصيحوا بي صيحة فيقتلون غلماني . وأريد [ أن ] أكون فوقهم ، فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البرّ
--> ( 1 ) مورّبة : منحرفة .